محمد اركون ( تعريب : هاشم صالح )

100

القرآن من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني

عندما ننظر عن كتب إلى البنية الأساسية لأسلوب التعبير المستخدم في القرآن ، فإننا نكتشف أن صحة الكتاب المقدس ذات قاعدة لغوية أساسا . لا ريب في أن المؤمن يتصوّر هذه الصحة وكأنها نقل حصل بالفعل بواسطة وسائل وأساليب التوصيل « السماوي أو الإلهي » . أما عالم الأنتربولوجيا الحديث فيقول بأن هذه الوسائل والأساليب ما هي إلّا مجازية أو خيالية أو أسطورية . ولكن التجلّي الملحوظ والمحسوس للرسالة المنقولة حصل في لغة بشرية - هي هنا اللغة العربية - حيث إن لافظ الكلام يؤكّد ذاته عن طريق صيغة معيّنة ونمطية من صيغ التعبير . كل الأدبيات الكلاسيكية التي تركّزت حول مسألة الإعجاز ( على الأقل في مكتسباتها اللغوية المحضة ) تؤكّد على هذا الدور الحاسم الذي لعبته هذه الصيغة التعبيرية اللغوية في انبثاق الوعي بالكتاب السماوي الموحى به داخل الدائرة اللغوية العربية . ولهذا السبب أقول بأن البحث التاريخوي الأكاديمي أنهك نفسه من دون جدوى من أجل تقليص الصحة الإلهية للخطاب القرآني وذلك عن طريق الإكثار من ربطه بالمرجعيات القديمة ، أو عن طريق الاقتصار على وصف الجوانب البلاغية والأسلوبية لنظرية الإعجاز « * » . قلت تقليص الصحة الإلهية وكان يمكن أن أقول جعلها نسبية . لا ريب في أن نظرية الإعجاز كانت قد أضعفت ، وبشكل عام ، زيّفت من قبل المسلّمة اللاهوتية المسبقة . ولكنها تحتوي على معلومات أو تعاليم يمكن لعالم الألسنيات الحديثة أن يستخلصها ويستخدمها ضمن منظور حديث وجديد تماما . يتفق علماء الألسنيات الحديثة على التمييز بين نوعين من استخدام اللغة : السرد القصصي ، والخطاب . وكل واحد من هذين النوعين في التعبير يتميّز باستخدام شكلين لفظيّين أو معجميّين ، وجهازين متمايزين من الوظائف النحوية والتركيبية « 1 » . ونلاحظ أن

--> * القرآن مكتوب بلغة طبيعية هي هنا اللغة العربية . فكلماته وحروفه هي ذات الكلمات والحروف التي كان يستخدمها الشعر الجاهلي مثلا ، أو النثر العربي في القرن السابع الميلادي . ولكن تركيبته اللغوية شديدة الإبداع والجمال وعميقة التأثير ، ولذلك سحرت ألباب القرشيين أو المكيين : إن من البيان لسحرا . . . والدليل على أنها وحي هو أن تأثيرها يخترق القرون ويصل إلى الملايين . وأما البحث التاريخوي الأكاديمي فيقصد به أركون بحوث المستشرقين الذين حاولوا البرهنة على الطابع البشري للقرآن عن طريق ربطه بكتب الوحي السابقة : أي التوراة والأناجيل أساسا . فقصة موسى وعيسى ، ونوح ، والطوفان ، ومريم العذراء ، وقصة يوسف ، وفرعون ، إلخ . . كلها واردة سابقا في كتب اليهود و ، المسيحيين . ولكن القرآن أعطاها صياغة جديدة في اللغة العربية . وأما نظرية الإعجاز فهي عبارة عن المسلمة اللاهوتية التي تقول بأن القرآن يرتفع على كل الكلام العربي بشكل لا يضاهي حتى ولو كان مكتوبا بنفس حروف اللغة العربية ، ونحوها وصرفها . ( 1 ) حول مفهوم السرد أو الحكاية ، انظر كتاب كلود بريمون : منطق السرد القصصي : : Cl . Bremond 1973 ، Seuil ، Paris ، recit du . Logique وأما في ما يخص الخطاب ، فإن التوجّهات والتحليلات التي قدمها إميل بنقينيست تظل هي الأكثر وضوحا . انظر كتابه : مسائل في علم الألسنيات العامة ، -